الرئيسية / عرب / النفط مقابل الغلاء.. أين يأخذ “التقشف الاقتصادي” الخليج ؟
424 (2)

النفط مقابل الغلاء.. أين يأخذ “التقشف الاقتصادي” الخليج ؟

في أغسطس/آب 2016، وفي إحدى المجمعات السكنية العمالية بالرياض، الخاصة بواحدة من أكبر شركات المقاولات هناك، والمتعثرة بفعل تراجع أسعار النفط في المملكة؛ يمكث ثمانية عمال باكستانيين في غرفة ضيقة لا تكاد تحتويهم، وبجوارهم يستلقي اثنان آخران، على أسِرّة ذات وسائد مهلهلة، بينما تتجول إحدى القطط الضالة في المكان، وترصد المشهد بترقب من أحد أركان الحجرة.

ينهض ثلاثة من العمال متوجهين للخارج، ليقوموا باستلام حصتهم الغذائية الموزعة يوميًا من قبل وزارة العمل السعودية. “لم نتلق رواتبنا منذ ثمانية أشهر، والشركة مدينة لنا بآلالاف الريالات، سننتظر هنا لعام أو عامين لحين الحصول على أموالنا”، يقولها أحد العمال، بينما تكسو وجهه مسحة من الغضب ممزوجة بالحزن، بينما يردف آخر مستاءً: “أريد العودة إلى باكستان، لكن كيف أعود ولا تملك أسرتي أي مال، وابنتيّ لا تذهبان إلى المدرسة؟ كيف أعود؟!”.

لطالما ظل حلم السفر للعمل بإحدى الدول الخليجية يداعب رؤوس الملايين ممن يعيشون في دول فقيرة وأوضاع معيشية مُعدمة، فالقادمون من هناك في أحيان كثيرة تبدو عليهم سيماء الثراء، يتملكون العقارات ويقيمون المشروعات؛ صورة نمطية ترسخت وحفزت هؤلاء الملايين للذهاب إلى هناك. إلا أنهم لم يروا العاصفة القادمة، ولم يدر في خلد أحدهم أن تؤول الأحوال لهذا المستوى.

لا يقف تأثير الإجراءات التقشفية على ارتفاع نسب البطالة فقط وخصوصًا بين الشباب، وإنما هناك احتمالية خطيرة بتبادل هذا التأثير من جهه الشباب إلى الحكومات

إن عدنا إلى الوراء قليلًا، وتحديدًا إلى يونيو/حزيران 2014، وفي بورصة نيويورك، سنجد تجار الأوراق المالية يقفزون ويصرخون، وسنسمع هواتفًا لا تكف عن الرنين، وسنرى لونًا أخضر يكسو أسعار النفط، لون لم يكن جديداً على وول ستريت، فالأسعار منذ أشهر عديدة في ارتفاع، ولكن الجديد هو وصولها لمستويات قياسية اقتربت من 115 دولارًا للبرميل، إلا أن كل ذلك سيتغير.

عصر الطفرة النفطية: الجميع يربح
يعد النفط أمرًا أساسيًا لدول الخليج الست، حيث تشكل عائدات النفط أكثر من 80% من الإيرادات الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 90% في الميزانية السعودية، باستثناء إمارة دبي، التي يمثل النفط 5% فقط من عوائدها، بسبب نجاحها بامتياز في تنويع الدخول الاقتصادية، معتمدة بشكل رئيس على السياحة والخدمات الاستثمارية.

انعكست الوفورات المالية على دعم الحكومة السعودية السخي لأسعار الوقود والكهرباء (رويترز)

وبسبب الارتفاع الكبير في أسعار النفط، اكتسبت هذه الدول مع الوقت عادة تضخيم النفقات العامة المصبوبة في شرايين الاقتصادات الوطنية على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس على حياة مواطنيها، خاصة شباب الخليج الناشئ بشكل ما في مناخ عام من الرفاهية، حيث السيارات الفارهة ومراكز التسوق المليئة بالسلع الكمالية باهظة الثمن، ومكتسبين في كل ذلك عادات استهلاكية تميل لحياة البذخ.

في الرياض، حيث تقع وزارة المالية السعودية، تشير البيانات الآتية منها بتحقيق فائض مالي قدره 206 مليار ريال سعودي في الميزانية العامة للدولة عام 2013، أما في العام التالي مباشرة فقد ارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي الضخمة، المتكونة على مدار سنوات من العوائد النفطية من 716 مليار دولار إلى رقم يتجاوز الـ 720 مليار دولار، وانعكست هذه الوفورات المالية على دعم الحكومة السخي لأسعار الوقود والكهرباء، وعلى تمويل مشروعات حكومية ضخمة، لتصبح الحكومة نفسها هي أكبر الجهات الموظفة لليد العاملة السعودية.

شرقًا وعلى بعد كيلومترات في الكويت، حيث يقترب إنتاج النفط المشكل للجزء الأكبر من الصادرات من مستويات قياسية، بهدف الاستفادة من الأسعار العالية حينها، حققت الدولة فائضًا في الميزانية العامة 2013/2014 بلغ 42.6 مليار دولار، وهو رقم يمثل أكثر من ربع الإنتاج المحلي، فائض جيد تحول جزء منه إلى صندوق الأجيال القادمة، وتم ضخ الباقي تحت مظلة “المصروفات العامة”، وبالتالي انعكس على دعم السلع والخدمات المقدمة من الدولة للمواطنين، والتي زادت في موازنة 2014-2015 بمقدار 17 مليار دولار تقريبًا.

هذه الأرقام توضح أن الانتعاش الاقتصادي والمالي في المنطقة يعني زيادة الإنفاق الاستهلاكي، ومن ثم لابد أن تقطف إمارة دبي من ثمرات ما يحدث، حيث الأنشطة الترفيهية والسياحة والخدمات المالية، لذا قامت الإمارة في ديسمبر/كانون الأول 2013 برفع رواتب موظفيها بنسبة 100%، واعتماد عدد من العلاوات في غالبية الوظائف الحكومية، كما ارتفعت الرواتب في الإمارات بشكل عام بنسبة 4.6% العام التالي مباشرة.

لنواصل المضي قدمًا ناحية الجنوب في مسقط، ولارتفاع الاحتياطي النقدي العماني إلى 16 مليار دولار في أواخر 2014، ونتيجة لهذا الزخم المالي ارتفع متوسط دخل المواطن العماني إلى 28.5 ألف دولار سنويًا في نفس العام، ليحتل المرتبة الرابعة خليجيًا، متقدمًا بذلك على البحرين والسعودية، أما البحرين المعتمدة في ثلثي إيراداتها الحكومية على النفط، أخذت هي الأخرى نصيبها من طفرة أسعاره، وحققت فائضًا ماليًا في ميزانية 2013 و2014 على التوالي.

النفط مقابل الغلاء.. إلى أين يأخذ “التقشف” الخليج؟

06e5c46c-08ad-4052-ae57-d56dc5279ae6

العاصفة تقترب
في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط، والعوائد النفطية الكبيرة، وانتعاش احتياطات الخليج الدولية، وزيادة فوائض موازينها العامة ودخول مواطنيها وعمالتها الأجنبية؛ وسط كل ذلك بدت نذر العاصفة في الأفق، موحية بتغييرات كبيرة قادمة في أسعار النفط، تغييرات لم يلتفت إليها أحد.

في صحاري تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في أكبر حقول النفط الصخري “إيجلفيل”، كان ديفيد ورفاقه يسابقون الزمن، حيث يعملون على معدات التكسير الهيدروليكي لإنتاج أكبر كمية من النفط الصخري، من أجل الاستفادة بالأسعار التي تجاوزت المئة دولار للبرميل، خاصة مع سماح الكونجرس الأمريكي بتصدير النفط الصخري خارج الولايات المتحدة بعد توقف دام أكثر من 40 عامًا.

الموازين العامة التي قامت الدول الخليجية بإعدادها لعام 2015 ربطت الإيرادات العامة بها بأسعار مرتفعة للنفط، تجاوزت في بعضها 90 دولارًا للبرميل، وبدا وكأن الجميع لم يتوقع استمرار هذا الهبوط، وكانوا مخطئين

في الوقت ذاته بدأ بعض كبار اللاعبين العالميين المستهلكين للنفط يظهرون تراجعًا ملحوظًا في النمو الاقتصادي، وهو تراجع أثر على استهلاكهم النفطي، وبالتالي على حركة سوق النفط العالمية، فأوروبا عليلة بمشكلاتها الداخلية، والصين – ثاني أكبر مستهلك نفطي عالمي – تشهد نسب تراجع تبدو مقلقة، كما أن البرازيل -السادسة في الاستهلاك عالميًا- لا تختلف عن الصين وأوروبا كثيرًا.

على الجانب الآخر المُنتِج؛ بدا أن قوى الإنتاج العالمية تتسابق لزيادة المعروض، والاستفادة من الارتفاعات القياسية السعرية، ما بين ليبيا والدب الروسي والعراق أيضًا، بجانب لاعبي الخليج التقليديين وإيران، مما أدى إلى تخمة في المعروض مقابل نقص استهلاكي.

 معادلة بسيطة يسهل معها توقع العاصفة القادمة.

في مهب الريح
في يوليو/تموز 2014، اصطبغت أسعار النفط في بورصة نيويورك، وجميع البورصات العالمية للنفط، باللون الأحمر لأول مرة منذ أشهر عديدة، وبدأت أسعار النفط في الانخفاض إلى ما دون 110 دولارات للبرميل. انقلبت إذن أسعار النفط على أعقابها، وعاد القمر مُحاقا، وبدأت الأسعار تيمم وجهها شطر الهبوط.

أتى موعد العالم مع السقوط الكبير في يناير/كانون الثاني 2016، إذ انسحقت الأسعار إلى ما دون 30 دولارًا للبرميل، بما يمثل خسارة أكثر من73% من قيمتها عند أعلى ارتفاع لها، في يونيو/حزيران 2014، وهي المرة الأولى التي تصل فيها الأسعار عند هذا المستوى منذ 12 عاما. بعدها تحسنت الأسعار تحسنًا طفيفًا، لكنها لم تتعد في الأشهر الأخيرة حاجز الـ 50 دولارًا للبرميل.

لم يكن ذلك كل شيء؛ فالموازين العامة التي قامت الدول الخليجية بإعدادها لعام 2015 ربطت الإيرادات العامة بها بأسعار مرتفعة للنفط، تجاوزت في بعضها 90 دولارًا للبرميل، وبدا وكأن الجميع لم يتوقع استمرار هذا الهبوط، وكانوا مخطئين. من أجل ذلك بدأت الميزانيات تحقق عجزًا هو الأول من نوعه لأغلبها على مدار سنوات، وهرولت بعض الدول إلى الاحتماء بالحصن الحصين “الاحتياطيات النقدية الدولية”، فيما ذهبت الأخرى إلى الاستدانة عن طريق طرح سندات محلية ودولية، ومنها من سلكت الطريقين معًا. ويعتقد صندوق النقد الدولي أن الدول الخليجية فقدت في عام 2015 فقط حوالي 340 مليار دولار بفعل انخفاض أسعار النفط.

ما بعد العاصفة: الخسائر
“سنعمل على استعادة العمال الذين تم تسريحهم من وظائفهم ويزيد عددهم عن 10 آلاف عامل، وهم يواجهون أزمة غذاء”
وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج، ضمن سلسلة من التغريدات على حسابها على موقع تويتر، بخصوص أزمة العمالة الهندية في السعودية نهاية يوليو/تموز 2015.

“أمباني ميتال” عامل هندي في إحدى مخيمات شركات المقاولات في جدة، لم يتسلم راتبه منذ أشهر ولا يعرف متى سيتسلمه، ضربه الجوع آخذًا معه عائلته منذ أشهر. في يوم ما قرر أن يفعل أي شيء في وضع بائس كهذا، فاستعار حاسوب صديقه الخاص، وولج لموقع التواصل الاجتماعي تويتر، ليصدر من خلاله استغاثة للحكومة الهندية لتنقذه هو وعائلته، والجالية التي تعاني في المملكة، لتستجيب الحكومة الهندية له على الفور، وتبدأ مباحثات سريعة مع المسؤولين السعوديين، وتطمأنه سواراج بنفسها بأن الحكومة سترسل أحد الوزراء فيها إلى الرياض فورًا لتقديم العون، بينما ناشدت هي الهنود العاملين في المملكة بمساعدة “إخوانهم وأخواتهم” الذين فقدوا وظائفهم، والذين يواجهون نقصًا شديدًا في الغذاء، بسبب الضائقة المالية التي يمرون بها.

يعمل في أرجاء المملكة -الأكثر تضررًا من تراجع أسعار النفط- ثلاثة ملايين هندي تقريبًا، فمنذ بدأت الحكومة السعودية في تقليص إنفاقها العام، ومن ثم تجميد مشروعاتها الكبرى؛ خاصة في البنية التحتية، تضرر عدد لا بأس به من الشركات، وخصوصًا تلك العاملة في مجال الإنشاءات والمقاولات، مما دفعها لتسريح جزء ضخم من عمالتها.

هناك تغييرات كبيرة تحدث في النمط الاستهلاكي لدى مواطني ومقيمي الدول الخليجية (رويترز)

يبدو أن هناك تغييرات كبيرة تحدث في النمط الاستهلاكي لدى مواطني ومقيمي الدول الخليجية، فيشكل انكماش الطلب على السيارات أبرز التغييرات في العادات الاستهلاكية الخليجية. كما سجلت النفقات المرتبطة بالأنشطة الترفيهية وسوق السفر تراجعًا ملحوظًا خلال 2016، وأدى تخفيض الإنفاق العام إلى التأثير على القطاع الخاص الذي ترتبط معظم أنشطته بالنفط، من الخدمات إلى الصناعة والبناء. ما أوصل اقتصاد المملكة إلى تباطؤ في النمو، ومن ثم أصبحت الشركات الخاصة عاجزة عن خلق فرص عمل كافية لمواكبة عدد الشباب المتخرجين من الجامعات، مع منافسة القوى العاملة الأجنبية بالطبع.

يقابل هذا الرجوع تنامى في القوى العاملة من المواطنين السعوديين، بنسبة أكبر من الزيادة في فرص العمل. فوفقًا للبنك المركزي السعودي في نهاية 2015 بلغ معدل البطالة في صفوف السعوديين ما نسبته 11.7%؛ على الرغم من استحداث أكثر من 237 ألف وظيفة في عام 2014 وحده، وهي نسبة مرتفعة ومؤشر خطر في دولة رفاهة كالمملكة.

لمعالجة هذا الأمر بأي شكل، ولإسباغ نوع من الحماية على المواطنين؛ قصرت وزارة العمل السعودية التوظيف في بعض المهن والأعمال على السعوديين فقط. فمن 19 مهنة مختلفة منعت الوزارة إصدار تأشيرات دائمة أو مؤقتة لاستقدام العمالة الأجنبية للعمل فيها، وحتى قصر العمل في بيع وصيانة الجوالات على المواطنين أيضًا، وحتى تخصيص تقديم خدمتي “أوبر” و”كريم” على السعوديين فقط؛ كما أجبرت وزارة العمل الشركات على تعيين حد أدنى من السعوديين في وظائفها، قرارات كلها تضع العامل الأجنبي في مهب الريح، إذ يكون معرضًا بشكل أكبر لترك وظيفته.

من أبرز تأثيرات الإجراءات التقشفية على المواطنين القاطنين هو ارتفاع معدلات التضخم، فالحكومات بدأت في فرض الضرائب، وهو شيء كان يعتبر من المحرمات منذ وقت ليس ببعيد. كما أن ضريبة القيمة المضافة على الأبواب، وستصل قيمتها لـ 5% وسيتم تطبيقها في معظم أرجاء المنطقة بحلول عام 2018. فعمان على سبيل المثال تفرض ضريبة على الشركات من 12 إلى 15%، وتدرس غيرها من الدول فرض ضرائب على دخول المغتربين فيها، وكلها إجراءات تؤثر بشكل مباشر على الدخول ومن ثم على مستويات المعيشة.

لم تكن المرتبات والأجور بعيدة عن بطش القرارات التقشفية. فعلى سبيل المثال؛ تشكل الرواتب والأجور والبدلات نحو نصف إجمالي النفقات العامة في الموازنة السعودية. ولما كانت المملكة تريد تقليل الإنفاق العام، لمحاولة تقليص عجز الموازنة بسبب تراجع أسعار النفط؛ فقد أصدرت أوامرًا ملكية في سبتمبر/أيلول 2016 تقضي بخفض رواتب ومزايا الوزراء وأعضاء مجلس الشورى، وخفض مكافآت الموظفين في القطاع الحكومي.

عقب هذه القرارات، بدا وكأن هناك موجة واضحة من الاستياء في ردود أفعال المواطنين السعوديين على وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا؛ أي الشباب بشكل أكبر، إذ رأي أغلبهم أن مرحلة الازدهار وحياة الوفرة في طريقها إلى الانتهاء، مبدين توجسًا مفهومًا تجاه احتمالية فرض المزيد من الإجراءات التقشفية مستقبلًا.

ولم تلق البطالة بظلالها الكئيبة على السعودية فقط تأثرًا بتراجع أسعار النفط خلال أكثر من عامين، ففي مايو/آيار 2015 أصدرت الإدارة العامة للإحصاء في الكويت بيانات إحصائية عن العمل، بين الكويتيين الذكور والإناث، جاء فيها أن نسبة الذين لا يعملون بلغت حوالي 17.3 ألف متعطل، منهم 19% من الذكور و81% من الإناث.

تنم هذه البيانات عن مؤشر خطير، إذ إن أعداد المتعطلين عن العمل تزيد بمعدل سنوي بالفعل يبلغ 14% ما بين 2014 و2015، أما الأهم من ذلك أن أغلب هؤلاء من فئات الشباب، مما قد يعنيه هذا من عجز الدولة عن احتوائهم فيما بعد.

لم تقف الأزمة لدى الشباب الكويتي عند التعطل عن العمل فقط؛ ففي أبريل/نيسان 2016 قررت الحكومة الكويتية اتخاذ حزمة من الإجراءات التقشفية أيضًا، بغية السيطرة على عجز الموازنة العامة، فقامت بخفض الدعم عن الكهرباء والماء، وفي سبتمبر/أيلول قامت برفع أسعار البنزين. هذه الإجراءات أدت إلى ارتفاع قياسي للأسعار، وزيادة نسبة التضخم إلى 3.7%، وهي النسبة الأعلى بين الدول الخليجية.

لم يكن غريبًا إذن أن تلقى الإجراءات التقشفية في الكويت تذمرًا من الكويتيين أنفسهم، حتى أن محاميًا كويتيًا تقدم بدعوى أمام المحكمة الإدارية لوقف تنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي برفع أسعار البنزين. وأطلق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الوسوم، عبروا من خلالها عن غضبهم من الإجراءات الحكومية الأخيرة.

شكلت الإجراءات التقشفية تناميًا في معدلات البطالة، وكونت مخاوفَ عميقة لدى المواطنين القاطنين في الخليج، فالمحليون تساورهم الشكوك تجاه المستقبل، ووقع هذه الإجراءات عليهم كان قاسيًا وهم مَنْ خبروا حياة الرفاه الاجتماعي

لم يتوقف شبح الطرد من الوظيفة على الكويت فقط، وقرر التوجه ناحية الجنوب حتى وصل إلى إمارة أبو ظبي، حيث كان الآلاف من العاملين في شركات شبة حكومية على موعد مع قرار مؤلم شكل صدمة لمستقبلهم المهني، فقامت هذه الشركات مدفوعة بضغوط تراجع أسعار النفط بالاستغناء عن هؤلاء العمال، حيث قرار شركة بترول أبو ظبي (أدنوك)، ذات الـ 55 ألف عامل، والمئات من الوظائف، بتقليص أعداد العاملين بها بنحو خمسة آلاف على الأقل.

تعمل الإمارات على تخفيف الضغط عن موازينها العامة بعد العاصفة، وتخشى من استمرار هذا التراجع، فتقوم بخطوات استباقية في هذا الشأن، كإعلان وزارة الطاقة الإماراتية رفع الدعم الحكومي عن أسعار الوقود المستخدم في النقل والمواصلات، اعتبارًا من أول أغسطس/آب 2015، أما في أكتوبر/تشرين الأول 2016 فقد بدأت الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء بتطبيق زيادة كبرى على رسوم الكهرباء في الإمارات الشمالية، بنسبة 200%، وسبقتها برفع أسعار الماء كذلك.

لم يختلف الحال في عمان كثيرًا، وضرب العجز الموازنة العامة في 2015، فقد بلغ العجز 15 مليار دولار أمريكي تقريبًا، بنسبة ارتفاع 40% عن المقدر سابقًا، فتم سد العجز من خلال الاقتراض المحلي والخارجي، والسحب من الاحتياطيات النقدية.

عمان التي يبلغ فيها معدل البطالة أعلى نسبة في الدول الخليجية، وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي كما سيأتي الإشارة إليه بعد قليل؛ عمدت إلى تعظيم إيراداتها غير النفطية عن طريق رفع معدلات الضرائب، وفرض المزيد من الرسوم الجديدة وزيادة أخرى. كما قامت بتعديل تعريفة الكهرباء والماء، ورفع الدعم عن الوقود وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تصحيح مسار المالية العامة للدولة، مما أدى إلى تراجع كبير في مستويات المعيشة هناك.

مقصلة التقشف لم تترك البحرين أيضًا، ففي أواخر 2015 بدأت البحرين في إجراءات إعادة هيكلة دعم أسعار الوقود والسلع الأساسية وترشيد الإنفاق والحد من المصروفات غير الضرورية، وتقليص حجم الهيكل الإداري في الدولة، مما يعنيه هذا من زيادة الأعباء على المواطن البحريني.

النفط مقابل الغلاء: أين يأخذ “التقشف الاقتصادي” الخليج وشبابه؟
 
“حوالي 60% من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي تقل أعمارهم عن 30 عامًا، وفي السعودية ما يقرب من نصف السكان تحت 25 عامًا، وثلثي السكان تحت الـ30، هذه تركيبة سكانية يمكن أن تخلق عدم استقرار”

جين كينينمونت، تقرير مركز تشاتام هاوس المعنون بـ “الاتجاهات المستقبلية في الخليج”.

شكلت الإجراءات التقشفية تناميًا في معدلات البطالة (رويترز)

في أكتوبر/تشرين الأول خرج علينا “أسبن بارث أيدي” و”فيليب روسلار” بتقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا، بخصوص البطالة في الدول الخليجية. بدا الأمر مقلقًا بعض الشيء، بسبب تنامي نسب البطالة بين الشباب تحديدًا مقارنة بمعدل البطالة العام، وارتفاع هذه النسب بشكل بالغ في كل من عمان والبحرين والسعودية على وجه الخصوص.

لا يقف تأثير الإجراءات التقشفية على ارتفاع نسب البطالة فقط وخصوصًا بين الشباب، وإنما هناك احتمالية خطيرة بتبادل هذا التأثير من جهه الشباب إلى الحكومات، ففي دراسة مقارنة للثورات، من قبل باحثين في كلية إدارة الأعمال في إنسياد، نقرأ أن خطر “الثورة” يزداد عند وجود أعداد ضخمة من شباب محبط وعاطل عن العمل، ويواجه أزمة على صعيد مستويات المعيشة بسبب ارتفاع معدل التضخم.

شكلت الإجراءات التقشفية إذن تناميًا في معدلات البطالة، وكونت مخاوفَ عميقة لدى المواطنين القاطنين في الخليج، فالمحليون تساورهم الشكوك تجاه المستقبل، ووقع هذه الإجراءات عليهم كان قاسيًا وهم مَنْ خبروا حياة الرفاه الاجتماعي. وعلى صعيد العمالة الوافدة، فالخطر عليهم أكبر والحماية الحكومية للدول المقيمين فيها ليست دائمًا في صالحهم، فهم مهددون دومًا بالفصل من الوظيفة أو تأخر الرواتب أو تقليصها في أحسن الظروف. كما أثرت هذه الإجراءات الحكومية لدى جُل الدول الخليجية في تغيير النمط الاستهلاكي وتعزيز التوجهات الادخارية لدى أغلب المواطنين، والتهيئة النفسية لشظف العيش مخافة القادم الذي بدت بوادره تأذن بعهد جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*