الرئيسية / المرأة / انتشار حالات الطلاق مؤخرا .. عندما يصبح الزواج مغامرة!
424 (3)

انتشار حالات الطلاق مؤخرا .. عندما يصبح الزواج مغامرة!

بحسب تقرير حديث لمركز معلومات مجلس الوزراء فإن نحو مليون حالة طلاق تتردد سنويا على محاكم الأسرة بمصر، وتقع 240 حالة طلاق يوميا بمعدل 10 حالات طلاق كل ساعة، كما بلغ إجمالي عدد حالات الخلع والطلاق عام 2015 ربع مليون حالة، بزيادة 89 ألف حالة عن عام 2014 (1)، وقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة في مصر عن وجود حالة طلاق كل 4 دقائق، والظاهرة تتفاقم مع مرور الوقت(2)

ولا يخص هذا الأمر مصر وحدها بل يشمل العالم العربي كله، وربما يمكن وصف الظاهرة بأنها ظاهرة عالمية، لكن الأمر في البلاد الإسلامية يبدو أوضح بسبب اختلاف ثقافة الزواج بين الدول الاسلامية والدول الغربية التي تحتوي ثقافتها على بدائل للزواج عن طريق المعاشرة  التي لا تحتاج إلى إطار شرعي أو قانوني(3).

ويُعتبر الإسلاميون شريحة من هذه المجتمعات لكنها شريحة تتميز بالتماسك إلى حد ما، خاصة في مجتمع متشظ مثل المجتمع المصري(4)، لا تخضع فيه المدن للأعراف القبلية والريفية.

سنحاول في هذا التقرير الاقتراب من أسباب الانفصال بين المتزوجين والمخطوبين في المجتمعات العربية وخاصة في مجتمع ما يسمى بالإسلاميين، ولكن سنتجاوز الأسباب السياسية والاجتماعية التي لا يمكن إنكار أثرها، كما سنتجاوز أسبابا أخرى لها دور مباشر مثل اختلاف الطباع والاعتداء بالضرب وكذا الإنجاب والفقر، سنتجاوز كل ذلك إلى نموذج تفسيري معرفي ونظري إلى حد ما، لكن يمكن أن نعتبره هو المنبع للأسباب الأخرى المباشرة، وسنحاول الاقتراب من النموذج في الجزء الأول من هذا التقرير، أما الجزء الثاني منه فسنتناول فيه موضوع الإسلاميين والتغيرات التي حلت بمجتمعهم الخاص.

الغد غير مضمون والارتباط مغامرة مستقبلها غامض

اللايقين في أيامنا الراهنة مختلف بشكل واضح، فالكوارث التي يخشى المرء أن تقضي على مصدر رزقه واحتمالاتها ليست من النوعية التي يمكن منعها

pixabay
 يقول عالم الاجتماع البارز زيجمانت باومان إن العالم في شكله الحالي لم يعد مكانا مستقرا بل عالما بلا يقين، خاصة فيما يسمى “الحياة المهنية”، وإذا كانت تلك الحياة المهنية منذ قديم الزمن تتصف بالتقلب ويسودها عدم الاستقرار، إلا أن اللايقين في أيامنا الراهنة مختلف بشكل واضح، فالكوارث التي يخشى المرء أن تقضي على مصدر رزقه واحتمالاتها ليست من النوعية التي يمكن منعها أو على الأقل مقاومتها وتخفيف حدتها بجمع القوى وتوحيد الصفوف واتخاذ الإجراءات التي تصدر عن النقاش والاتفاق والتأييد المشترك.(5)

وحسب باومان فقد اختفى من العالم الحالي المعنى القديم لمصطلح “المشوار المهني” أو”الوظيفة” بمعناها الثابت، وأضحى من الطبيعي أن يغير الشخص مهنته كل ثلاث سنوات أو أقل، فينتقل من شركة لأخرى ومن عمل لآخر بل من تخصص لآخر، وفي هذا العالم الحديث بات الإنسان ينتقل من مكان لآخر ومن دولة إلى أخرى ومن قارة إلى أخرى، ما دعا باومان لأن يسمي العالم الحالي “عالم البداوة الحديثة”.(6)

فالعالم بعد انطلاق “سيرورة الفردية المطلقة”لم يعد أحد فيه يعنى بأحد، فقد تفككت الروابط وأصبح الجميع يبحث عن مصالحه الفردية الخاصة.

 عندما تحدث “بيير بورديو” (7)إلى الناس الذين تضرروا أو كانوا يخشون أن يتضرروا من التغيرات الراهنة في أحوال عملهم، سمع كثيرا أنه”في ظل الأشكال الجديدة للاستثمار الذي يروق له تحرير سوق العمل تماما واستحداث العمالة المؤقتة، تبدو الأشكال التقليدية للعمل النقابي غير كافية”، فالعمل النقابي بمعناه القديم لم يعد يستطيع التعامل مع مشاكل العمل الحالية، مثل: العمالة المؤقتة وتحرير السوق والمعايير الصارمة التي تضعها الشركات لقبول العمال والموظفين، ويخلص بورديو إلى أن “التحولات الأخيرة حطمت الأسس التي قامت عليها علاقات التضامن في الماضي”، كما أشار”مارك غرانوفتير”(8)- عالم اجتماع امريكي بجامعة ستانفورد- إلى أن “الزمن الذي نعيش فيه هو زمن الروابط الضعيفة”، بينما رأى “سينيت” (9)-عالم الاجتماع بجامعة لندن- أن “الأشكال العابرة للعلاقات أكثر فائدة للناس من الارتباطات طويلة الأجل”، حيث يسهل على الإنسان الارتحال السريع بدون مشاغل أو أحمال أو هموم.

فهذا الانفصال بين العمالة والمصنع وبين العمل ورأس المال -بعد أن كان بينهم زواج كاثوليكي- منذ الثورة الصناعية، وصفه باومان بأنه “انتقال للعالم من عصر الزواج إلى عصر المعاشرة”، وامتدت هذه الظاهرة لجل  العلاقات في هذا العالم حيث ظهرت بشدة الطبيعة المؤقتة للمعاشرة (10)، وإمكانية انتهاء العلاقة في أي لحظة ولأي سبب كلما اقتضت الحاجة أو انطفأت الرغبة، حيث لم يعد هناك شيء مضمونا، وعلى الإنسان أن يتخفف من الأحمال التي ترهقه .

“فإذا كانت المعاشرة تقوم على الاتفاق بين الطرفين والاعتماد المتبادل بينهما، فإن فك الارتباط أحادي الجانب، وقد اكتسب كلا الطرفين استقلالا ربما كان يرغب فيه على الدوام في الخفاء”.(11)، حيث لم يعد الناس في عصرنا يريدون ما هو أبدي وثابت ومستقر بل يميلون دائما للتبديل والتغيير الذي يشمل كل ما في العالم الحالي، وأصبح التفكير في حياة أساسية كريمة هو تفكير في عمل مربح ومستقبل غامض وسوق متقلب.

روابط إنسانية هشة

فقدان الاستقرار والضعف والهوان هي أبرز سمات الحياة المعاصرة، فقدان الاستقرار هو سمة الوضع الحالي خاصة في المعاش والقوت

pixabay
“قال في نفسه إنه ليس من الصعب التعلّق بشخص متألّق، كامل وأنيق، فهذا النوع من الحب ليس سوى رد فعل تافه يولده فينا الجمال آليًا وصدفة. أما الحب الصادق، فيجنح إلى خلق المحبوب انطلاقًا من كائن ناقص، كائن ناقص بمقدار ما هو إنساني.” 

ميلان كونديرا ,الحياة هي في مكان آخر

في ديسمبر/كانون الأول عام 1997 أعد بيير بورديو (12) أحد أبرز المحللين لتلك الأزمة ورقة بحثية عن فقدان الاستقرار في هذا الزمان، جاءت تحت عنوان:”فقدان الاستقرار في كل مكان هذه الأيام”، هذا العنوان -كما يشرح باومان(13)- يلخص كل شيء، فقدان الاستقرار والضعف والهوان هي أبرز سمات الحياة المعاصرة، فقدان الاستقرار هو سمة الوضع الحالي خاصة في المعاش والقوت الذي يكسبه المرء من عمله ووظيفته، فقد أمسى هذا القوت محفوفا بالمخاطر ومهددا بالفقد والضياع في أي لحظة، وهو ما يعطي شعورا للمرء أن المستقبل غير مضمون.

ويؤكد باومان أن “الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحفوفة بالمخاطر والمجازفات تدرب الرجال والنساء على إدراك العالم بوصفه وعاء حافلا بالأشياء التي يمكن التخلص منها كالفوارغ، الأشياء التي يمكن استعمالها مرة واحدة ثم تركها دون الانشغال بها أو محاولة إصلاحها عندما تتعطل”(14)، ببساطة إذا لم يعجبك المكان اتركه، وإذا لم تعجبك العلاقة افسخها، وإذا لم يعجبك الشخص اعتبره صندوقا أسود محكم الإغلاق وألْقِ به ولا تحاول فتحه، أو اعتبره كالكتاب الرديء فأغلقه وارحل.

ثقافة الاستهلاك محل المودة والرحمة
 “ما الذي يهمك إذا؟

– الحب
قال فرانز متعجبا:الحب؟
أطلقت ماري كلود ابتسامة: “الحب صراع وسأقاتل وقتا طويلا حتى النهاية.
الحب صراع؟ ليست لي أدنى رغبة فى القتال. قال فرانز وخرج” 

 ميلان كونديرا, كائن لا تحتمل خفته

يكمل باومان: “أنه هكذا صارت الروابط والعلاقات أشياء نستهلكها ولا ننتجها، إنها تخضع لمعيار التقييم نفسه الذي تخضع له موضوعات الاستهلاك الأخرى كافة، ففي السوق الاستهلاكية عادة ما تُعرض السلع للتجريب والاستبدال واستعادة الثمن كاملا إن لم يرض المشتري عن المنتج تمام الرضى .

فإذا كان الشريك في العلاقة الإنسانية ينطبق عليه هذا التصور، فإن مهمة الشريكين لم تعد العمل على استمرار العلاقة ونجاحها في العسر واليسر والسراء والضراء وفي الشدة والرخاء، بحيث يكون كل شريك عونا لشريكه في أفراحه وأتراحه، وأن يعدل رغباته المفضلة إن اقتضى الأمر وأن يتنازل ويصل إلى حلول مرضية للطرفين، وأن يضحي في سبيل رباط دائم يقوم على المودة والرحمة،  بل صار الأمر مسألة تتعلق بإشباع الرغبة من منتج جاهز للاستهلاك، وإذا كانت اللذة الحاصلة لا تصل إلى المستوى الموعود أو المتوقع، يمكن للمرء أن يقيم دعوى للطلاق ويستشهد بحقوق المستهلك وقانون المواصفات التجارية. فما من سبب يجعل المرء يتمسك بمنتج قديم أو رديء بدلا من أن يبحث عن منتج جديد ومعدل في المحلات”.(15)

يقول عالم الاجتماع الأمريكي وليام إسحاق توماس:”إذا افترض الناس أن التزاماتهم مؤقتة حتى إشعار آخر، فهذه الالتزامات تصير في الغالب الأعم مؤقتة بالفعل نتيجة أفعالهم.”(16)

مما سبق يمكن الاستنتاج أن انتشار ثقافة الاستهلاك وشيوع اقتصاد السوق الحر، وتصور العالم على أنه مجموعة منتجات متراكمة من أجل الاستهلاك الفوري بما في ذلك البشر يجعل الحديث عن روابط إنسانية دائمة أمرا عسيرا، فالناس الذين لا يشعرون بالأمان بدلا من أن يجتهدوا في إدامة علاقاتهم وإصلاحها، أمسوا عصبيي المزاج سريعي الملل، يسارعون لقطع علاقاتهم مع الشركاء الذين لا يُشبعون رغبتهم بأمان .

علاقات تراحمية للبيع.. الأزمة تصل الإسلاميين

كان مجتمع ما يسمى بالإسلاميين قد حصن نفسه لحد ما من ثقافة الاستهلاك والمتعة

pixabay

كان مجتمع ما يسمى بالإسلاميين قد حصن نفسه لحد ما من ثقافة الاستهلاك والمتعة، حيث كانت قيم هذا المجتمع تتركز على النضال وتغيير العالم للأفضل وإصلاح شؤونه كلها بالإسلام (17)، لكنه أصيب في العقود الثلاثة الأخيرة بتغيرات كثيرة، ولم تصمد تلك القيم أمام تيار الاستهلاك الجارف، بل ازدادت حالات الانفصال بين المخطوبين والمتزوجين الجدد بشكل ملحوظ (18)، فما السبب في ذلك؟ هل الأمر متعلق بالوضع الاقتصادي وهشاشة العلاقات في العالم الحالي فقط؟ أم أن للأمر علاقة بالأوضاع السياسية والاجتماعية للإسلاميين بعد الانقلاب في مصر، هذا ما سنحاول الاقتراب منه في الجزء الثاني من  هذا التقرير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*