الرئيسية / اقتصاد / عندما يصبح العمل الحر منافسا للوظيفة .. صناعة المستحيل !
424 (4)

عندما يصبح العمل الحر منافسا للوظيفة .. صناعة المستحيل !

حتى العقد الماضي كان للعمل مساره المعتاد الذي يسلكه معظم الناس، حيث يبدأ ذلك المسار بعد إنهاء الفرد لمراحل تعليمه، وحصوله على شهادة ما، ثم اكتسابه لبعض المهارات المحددة التي تؤهله للعمل بوظيفة محددة. أما الآن ومنذ عقد مضى فبدأ سوق العمل في التحوّل رأسًا على عقب، حيث أصبح السوق شديد التنوع بفضل التحول الاقتصادي، والتطور المستمر في التقنية والتكنولوجيا الحديثة.

قبل ذلك كان يقتصر سوق العمل على العمل التقليدي بداخل شركة أو مؤسسة، وكان يتطلب غالبا خريجي الجامعات أو الحاصلين على شهادة دراسية محددة، حيث يضع الشهادة الدراسية في المقام الأول وليس الخبرة العملية أو المهنية. أما الآن فتمدد سوق العمل واتسع لأنواع مختلفة أخرى غير العمل التقليدي، مثل العمل الحر أو المستقل، الذي أصبح الآن المنافس الأقوى للعمل التقليدي.

فبدأ المستقلون في خلق مجالات عمل جديدة لهم عن طريق تعلم المهارات والخبرات التي يطلبها سوق العمل، والتي قد لا تتعلق بالدراسة الجامعية. مما أدى إلى اندثار العمل الاعتيادي بداخل الشركات أو المؤسسات، وانتشار العمل الحر، الذي يتطلب مهارات وخبرات محددة، ما أدى في النهاية إلى خلق منافسة مستمرة بين المستقلين من أجل الحصول على العمل.

كيف استطاع العمل المستقل منافسة العمل الاعتيادي؟
يستطيع المستقل العمل بالطريقة الأنسب له، حيث يصبح مسؤولًا عن نفسه تمامًا، ومتحكمًا في العمل تحكمًا تامّا. فيتخذ كافة القرارات الصعبة والمصيرية المتعلقة بالعمل، والتي يراها مناسبة وستعود عليه وعلى العمل بالنفع

للعمل المستقل مميزات عدة لا تتوفر في العمل الاعتيادي، قد تكون تلك المميزات هي السبب الأول في ترك صاحب العمل الاعتيادي لعمله والتوجه إلى العمل بأحد مجالات العمل الحر المختلفة. فخلال عام  2014قُدرت نسبة الأشخاص المستقلين في الولايات المتحدة الأمريكية بـ33% من إجمالي الأيدي العاملة، أي ما يساوي 53 مليون شخص، حصلوا من خلال أعمالهم المستقلة على أرباح تزيد عن 715 مليار دولار.[1]ووفقًا للتوقعات فبحلول عام 20200 ستزداد نسبة المستقلين بالولايات المتحدة لتصبح 50% من إجمالي الأيدي العاملة، أي ما يزيد عن 80 مليون مستقل. [2]

أما في أوروبا، فقد ارتفع عدد المستقلين من 6 ملايين و200 ألف مستقل في عام 2004، إلى 8 ملايين و900 ألف مستقل في عام 2013، بزيادة تُقَدر بـ2 مليون و700 ألف مستقل في أقل من 9 سنوات. وبالتالي فيعتبر قطاع العمل الحر هو القطاع الأسرع نموًا في سوق العمل الأوروبي بين عامي 2004 و2013. ومع زيادة شعبية العمل الحر، والازدياد المستمر في عدد المستقلين، تطور العمل الحر، وفتح المجال لتخصصات أخرى جديدة. فأصبح باستطاعة الأطباء والمهندسين وغيرهم من المهنيين بمختلف تخصصاتهم العمل بشكل مستقل، وتقديم خدماتهم لقطاع كبير من المستهلكين والشركات المتخصصة. 2

لكن لماذا قد يلجأ أصحاب المشاريع الناشئة إلى المستقلين؟
مع التَطور المستمر في سوق العمل، وظهور العمل الحر وانتشاره، لجأ الكثير من أصحاب المشاريع إلى العمل مع المستقلين. بل الآن توجد مشاريع ناشئة قائمة بشكل كامل على الإنترنت دون وجود مقر لها، وبطبيعة الحال يسعى أصحابها إلى التعامل مع المستقلين نظرًا لأسباب عدة منها:

التكلفة المناسبة

عند التعامل مع المستقلين لن يدفع صاحب المشروع المزيد من النفقات، ولن يتحمل سوا تكلفة الخدمة الحقيقية التي سيحصل عليها من المستقل
بيكساباي
الميزة الأساسية التي يحصل عليها أصحاب المشاريع عند التعامل مع المستقلين هي التكلفة الفعالة. فبتعاملهم مع المستقلين يخفضون الكثير من نفقاتهم بالمقارنة مع موظفي الدوام الكامل. بداية من النفقات التي يدفعها صاحب المشروع في تدريب موظفيه، مرورًا بالأموال التي ينفقها في تجهيز مقر العمل والمكان المناسب للموظف، وحتى رواتب الموظفين المرتفعة، والمكافآت، ونفقات التأمين الصحي والاجتماعي، وغيرها من النفقات المستمرة.

على عكس ذلك، وعند التعامل مع المستقلين لن يدفع صاحب المشروع المزيد من النفقات، فليس مضطرًا لدفع الأموال لتدريب المستقل، أو مضطرًا لتحمل نفقات التأمين الصحي والاجتماعي، وأخيرًا ليس مضطرًا لدفع رواتب مرتفعة بشكل دوري كما الحال مع الموظفين بدوام كامل. فقط لن يتحمل صاحب المشروع إلا تكلفة الخدمة الحقيقية التي سيحصل عليها من المستقل. كما يستطيع صاحب المشروع التعاقد مع المستقل لعدد ساعات محددة لأداء مهمة ما، وبالتالي يوفر التكلفة الباهظة التي قد يدفعها في رواتب الموظفين إذا قام بتعيينهم. [3]

التخصص والموهبة

يتميز المستقلون بالموهبة والحرفية العالية في أداء أعمالهم.  فيعتبر الشغف الدافع الرئيس الذي يوجه الشخص للعمل الحر حتى يتسنى له ممارسة العمل الذي يحبه ويتقنه. وبالتالي عند تعامل أصحاب المشاريع مع المستقلين يحصلون على أشخاص متخصصين ذي حرفية عالية قادرين على أداء العمل المنوط بهم على أفضل وجه. 3

المرونة

تُعتبر المرونة من أهم مميزات العمل المستقل، ليس فقط لأصحاب المشاريع، بل للمستقلين أيضًا. فهي من الأسباب الرئيسة التي تدفع أصحاب المشاريع إلى العمل مع المستقلين. حيث تسمح لهم بالتعاقد مع المستقلين على أداء مهام محددة فقط دون الحاجة إلى توظيفهم بشكل دائم، وبالتالي يدفع صاحب العمل المقابل المادي المناسب لهذه المهام، مما يوفر له الكثير من النفقات. كذلك تسمح المرونة لأصحاب المشاريع الحصول على الخدمات التي يريدونها في الوقت المناسب لهم دون الالتزام بمواعيد عمل محددة. 3  [4]

لكن لماذا قد يلجأ أصحاب المشاريع الناشئة إلى المستقلين؟
ُقدم العمل الحر دخلا مناسبا للمستقلين، فخلال عام 2014 حقق المستقلون بالولايات المتحدة الأمريكية دخلًا يزيد عن 715 مليار دولار من خلال عملهم المستقل

يعتقد البعض أن العمل الحُر عبارة عن ملجأ يرجع إليه البعض عند عدم استطاعتهم الحصول على وظيفة حقيقية بدوام كامل بداخل شركة ما. لكنهم لا يدركون أن من يقوم بالعمل الحر، يعمل لحسابه الخاص، فهو مدير نفسه، والمدير المالي، والمالك للعمل في الوقت ذاته. فهم يعتقدون أن العمل التقليدي أكثر أمانًا واستقرارًا من العمل بشكل مستقل. لكن هناك العديد من الأسباب الحقيقية[5] التي جعلت العمل الحر منافسا فعالا للعمل التقليدي، والتي منها:

المرونة المطلقة في مواعيد العمل

تُعتبر المرونة في ساعات العمل من أهم مميزات العمل المستقل، فالمستقل لن يضطر إلى العمل في ساعات محددة يوميًا. بل يستطيع اختيار ساعات العمل الأكثر إنتاجية بالنسبة له، التي يستطيع فيها إنجاز المهام المطلوبة منه بدقة متناهية. فيترك العمل الحر الخيار أمام المستقل في تحديد كيفية وطريقة العمل التي تناسبه4.

 وبالتالي فلن يكون مجبرًا على العمل في الصباح الباكر، ولن يكون مجبرًا على انتظار عطلة نهاية الأسبوع حتى يستطيع السفر أو قضاء الوقت مع الأصدقاء. على عكس ذلك تمامًا فيستطيع العمل ليًلا إن أراد، ويستطيع الحصول على عطلة وقتما شاء دون التقيد بنهاية الأسبوع.[6]

إمكانية العمل من أي مكان

المستقل يتمتع بالحرية التامة في اختيار عملائه، مما يكسبه الحرية المطلقة في اختيار العملاء المناسبين  

كما يوفر العمل الحر المرونة في ساعات العمل، فهو يوفر أيضًا المرونة المطلقة في العمل من أي مكان. وبالتالي يترك الخيار للمستقل بتحديد بيئة العمل المناسبة له. سواء العمل من المنزل، أو الحديقة أو المكتبة أو حتى مساحات العمل المشتركة Co-working spaces. 6

لكن يُفضل الكثير من المستقلين العمل من المنزل، حيث يعتبرونه الحل الأمثل لتحقيق التوازن بين العمل وبين الحياة الخاصة وكذلك العائلة. فيروا أن العمل من المنزل يمنحهم الراحة والحرية المطلقة أثناء أداء أعمالهم. 4

لن تتبع أوامر رئيسك.. فأنت رئيس نفسك

يُعتبر المستقل هو المسؤول عن نفسه، فهو من يؤدي العمل، وهو الرئيس في الوقت ذاته. فالمستقل لن يكون مضطرًا أبدًا لتلبية أوامر أحد، فلا يوجد رئيسًا للعمل قط، فقط المستقل والعملاء. وبالتالي يستطيع المستقل العمل بالطريقة الأنسب له، حيث يصبح مسؤولًا عن نفسه تمامًا، ومتحكمًا في العمل تحكمًا تامّا. فيتخذ كافة القرارات الصعبة والمصيرية المتعلقة بالعمل، والتي يراها مناسبة وستعود عليه وعلى العمل بالنفع. 6

الحرية التامة في اختيار العملاء

من أهم المميزات التي تُميز العمل الحر عن العمل الاعتيادي هي حرية اختيار العملاء. ففي العمل الاعتيادي، لن يحظى الموظف بحرية اختيار عملائه الذين سيعمل معهم، وبالتالي من الممكن أن يصبح عالقا في العمل مع العملاء غير المهنيين.

أما في العمل الحر، وعلى النقيض تماما فإن المستقل يتمتع بالحرية التامة في اختيار عملائه، مما يكسبه الحرية المطلقة في اختيار العملاء المناسبين، والاعتذار عن العمل مع العملاء غير المناسبين. 6

الحصول على المُقابل المادي المناسب

في العمل الاعتيادي قد يعمل الشخص على أداء مهام العمل نفسها لسنوات متتالية دون أي تجديد أو اكتساب مهارات جديدة. لكن الأمر ليس كذلك في العمل الحر

يُقدم العمل الحر دخلا مناسبا للمستقلين، فخلال عام 2014 حقق المستقلون بالولايات المتحدة الأمريكية دخلًا يزيد عن 715 مليار دولار من خلال عملهم المستقل.1  وبالتالي يستطيع المستقلون الحصول على المقابل المناسب للمهام التي يؤدونها.

 فوفقًا لمنصة Upwork للعمل الحر، يحصل المستقل الذي يعمل بصناعة المحتوى التسويقي على متوسط 75 دولارا لكل ساعة، كما يحصل المستقل الذي يعمل بتطوير تطبيقات الهواتف الذكية على متوسط 88 دولارا لكل ساعة. بينما يحصل المستقل الذي يعمل بمجال تصميم الجرافيك على متوسط 100 دولار لكل ساعة عمل.

التطور المهني، واكتساب الخبرات

في العمل الاعتيادي قد يعمل الشخص على أداء مهام العمل نفسها لسنوات متتالية دون أي تجديد أو اكتساب مهارات جديدة. لكن الأمر ليس كذلك في العمل الحر، فالمستقل يتعامل مع عملاء مختلفين باستمرار، وبالتالي يؤدي أنواعا مختلفة من العمل، ما يسمح له بالحصول على معلومات لم يكن يعرفها من قبل، أو اكتساب مهارات جديدة. وبالتالي فكل عمل جديد يكتسب معه المستقل مهارة جديدة، ما يدفعه إلى التطور المهني واكتساب الخبرة اللازمة، التي تؤهله بعد ذلك إلى القيام بعمل أفضل، وأعلى جودة. 6

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*