مستقبل “التجارة العالمية” .. مواجهات في مهب الريح!!

“إن كنت تعلم قدراتك وقدرات خصمك، فما عليك أن تخشى من نتائج مئة معركة. وإن كنت تعرف قدرات نفسك، وتجهل قدرات خصمك، فلسوف تعاني هزيمة ما بعد كل نصر مُكتسب. أما إن كنت تجهل قدرات نفسك، وتجهل قدرات خصمك، فالهزيمة المؤكدة هي حليفك في كل معركة» سن تزو، “فن الحرب”.

 261ef292-a511-453a-abb7-42a72b8e372b

تنمو التجارة العالمية بمتوسط 5% تقريبًا منذ عام 1990. إلا إنها بفعل تباطؤ الاقتصادات الناشئة والتقلبات المالية حققت نموًا قدره 2.8% خلال 2016، وتتوقع منظمة التجارة العالمية ارتفاع هذه النسبة لتصل إلى 3.6% خلال عام 2017. إلا أن هناك من يسعى لتقويض هذا التنامي في حجم التجارة العالمية كما يبدو.

سبع رصاصات يستعد ترامب لإطلاقها صوب جسد العلاقات التجارية الدولية المنهك بفعل تراجع الطلب العالمي.

في 28 يونيو (حزيران) في مونيسين بولاية بنسلفانيا، يقف دونالد ترامب وسط الآلاف من العمال بوجه أقرب إلى الُحمرة مخاطبًا إياهم في حماس، لا تختلف خطابات ترامب كثيرًا، فجميعها تعزز الانطباع لدى الجمهور بأن الولايات المتحدة في مؤامرة كبرى، وأن الدول الخارجية تستغلها بمساعدة السياسيين في واشنطن. فالعولمة لم تجلب للولايات المتحدة سوى الضعف والمزيد من فقدان الوظائف. لكنه اليوم يتعرض لمسألة من أعقد المسائل التي تمس النظام الاقتصادي العالمي برمته، وتهدد بنيانه واستقراره. يركز ترامب خطابه حول كيفية إعادة الاقتصاد الأمريكي لسابق قوته من خلال القتال لأجل إقامة علاقات تجارية عادلة. فالطبقة الوسطى بزعمه قد انهارت بسبب السياسات الفاشلة القادمة من واشنطن، التي تعود بالنفع على السياسيين فقط وليس الشعب الأمريكي.

بدأ ترامب في تلاوة خطته للقتال، وسط صيحات الجماهير المؤيدة، تقوم الخطة على سبع نقاط رئيسة، أولًا، الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP، وثانيًا، تعيين مفاوضين تجاريين أمريكيين صارمين وأذكياء للقتال نيابة عن العمال الأمريكيين، وثالثًا، تكليف وزير التجارة الجديد بتحديد كل الانتهاكات لاتفاقيات التجارة مع الدول الأجنبية، التي تستخدم حاليًا لإلحاق الضرر بعمالنا، على حد تعبير ترامب، وتوجيه جميع الجهات باستخدام كل أداة بموجب القانون الأمريكي والدولي لوضع حد لهذه الانتهاكات، ورابعًا، إعادة التفاوض حول اتفاقية النافتا بشأن شروطها للحصول على صفقة أفضل لعمال أمريكا، أو الانسحاب منها حال عدم الموافقة، وحال وصل ترامب للرئاسة، وخامسًا، تكليف وزير الخزانة بتسمية الصين رسميًا “دولة متلاعبة بالعملة”، وسادسًا، تكليف الممثل التجاري الأمريكي برفع دعاوى تجارية ضد بكين، في واشنطن وفي منظمة التجارة العالمية، وسابعًا، وأخيرًا استخدام كافة أوجه السلطة الرئاسية لمعالجة النزاعات التجارية، إذا لم تتوقف الصين عن أنشطتها غير القانونية، بما في ذلك سرقة أسرار التجارة الأمريكية، وتطبيق رسوم جمركية على منتجاتها الواردة للولايات المتحدة.

سبع رصاصات يستعد ترامب لإطلاقها صوب جسد العلاقات التجارية الدولية المنهك بفعل تراجع الطلب العالمي، وبسبب شبح الركود الذي يسيطر على بعض اللاعبين الأساسيين كالصين والاتحاد الأوروبي، رغم وجود بعض المؤشرات الدالة على حدوث تعافٍ.

من حزب وركينجمن كاليفورنيا إلى الحزب الجمهوري: جينات موروثة

هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 45% على الواردات الصينية، واتهم بكين مرارًا بالتلاعب في عملتها من أجل جعل صادراتها أكثر تنافسية.

رويترز

في أواخر القرن 19 كان العمال الصينيين الأشداء يتدفقون بالسفن إلى غرب الولايات المتحدة، للعمل في المشروعات الثقيلة كبناء الجسور ومد خطوط السكك الحديدية وحفر المناجم. وكان مُرحبًا بهم للغاية، فالولايات المتحدة آنذاك كانت شحيحة العمالة، بينما هناك وفرة لدى الصين. ظل الحال كذلك، حتى حدث ركود اقتصادي كبير، وضرب الانكماش مفاصل الاقتصاد الوليد، وضاقت الأحوال بالعمال الأمريكيين حتى شعروا بخطر وجود العمالة الصينية عليهم في البلاد، فبدأوا بمطاردة الصينيين وحرق التجمعات الصينية، وقاد الشعبويون في حزب وركينجمن كاليفورنيا حملة الكراهية ضد الصينيين بدعوى أنهم أخذوا منهم وظائفهم، وتسببوا في تدهور أحوالهم المعيشية، وفي عام 1882 صدق الرئيس تشستر آرثر على قانون استبعاد الصينين من البلاد، وبالفعل طُرد أي شخص ينتمي للعرق الصيني من أراضي الولايات المتحدة، وظل القانون ساريًا حتى قرب الحرب العالمية الثانية.

يُعيد ترامب هذا المشهد من جديد، ولكن بفارق وحيد هو تسبب الصينيين في سلب وظائف الأمريكيين والهيمنة على الاقتصاد الأمريكي من أرضهم.  فقال ترامب عن ذلك في شهر مايو (آيار) الماضي “لا يمكننا الاستمرار في السماح للصين باغتصاب بلادنا، وهذا ما يفعلونه”. وفي سبيل مقاومة هذا “الاغتصاب”، فقد هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 45% على الواردات الصينية، واتهم بكين مرارًا بالتلاعب في عملتها من أجل جعل صادراتها أكثر تنافسية، ونعتها في كل مناسبة تقريبًا بالدولة “الغشاشة” لأنها سرقت وظائف الأمريكيين، ويشير بول أشوورث، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في كابيتال إيكونوميكس، إلى أن فرض التعريفات الجمركية ممكن بالفعل، لكنه ليس الخيار الأول أمام ترامب، فيمكنه في البداية تقديم سلسلة من الشكاوى ضد الصين في منظمة التجارة العالمية.

الكِفة الصينية ترجح مقابل الأمريكية

هناك
 عجز تجاري كبير بين الولايات المتحدة والصين لصالح الأخيرة، بلغ في عام 2015 حوالي 365.7 مليار دولار، بزيادة مقدارها 220 مليون دولار عن العام 20144، لذا فلن يقتصر التأثير على الصين فقط، ولكنه سيمتد إلى الداخل الأمريكي كذلك. يقول جيانجنج شين كبير الاقتصاديين في ميزوهو سيكيوريتيز آسيا إنه ليس أمام ترامب بديل عن الواردات الصينية، فالبديل حتمًا سيكون أكثر تكلفة، كما أن معدلات التضخم سترتفع في الولايات المتحدة عقب فرض تعريفة جمركية.

وعد ترامب باتخاذ كل ما يلزم لاستعادة الوظائف الأمريكية المفقودة بسبب التغلغل الصيني، ومهاجمة الممارسات التجارية الصينية غير العادلة، واتخاذ المزيد من تدابير مكافحة حالات الإغراق، والتدقيق الشديد في استثمارات الشركات الصينية المملوكة للدولة في الولايات المتحدة، وعمل قوائم سوداء للشركات الصينية التي استفادت من سرقة الملكية الفكرية من الشركات الأمريكية، ولأن الولايات المتحدة والصين هما قطبا التجارة العالمية، فمن شأن اتخاذ بعض من هذه الإجراءات كفرض تعريفة جمركية كما يريد ترمب، أن تكون إيذانًا ببدء حرب تجارية دولية فتاكة.

ما زالت بكين محتفظة بهدوئها دون الانزلاق إلى تصريحات متطرفة كما فعل ترامب. وتأمل في أن يتعامل المقيم الجديد بالبيت الأبيض بواقعية أكثر، بعد توليه زمام الأمور فعليًا بنهاية شهر يناير (كانون الثاني) القادم. ولكنها ترسل إشارات من وقت لآخر، بأن فرض تعريفة جمركية على الواردات الصينية من شأنه أن يجلب “الانتقام الصيني”.

“إن الصين لا ترغب في رؤية ذلك يحدث. لكن إذا ما حدث، فلن تكون حركة مرور السلع في اتجاه واحد” فو يينغ رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في المجلس التشريعي، متحدثة الأسبوع الماضي في بكين عن ردة الفعل الصينية تجاه فرض الولايات المتحدة تعريفات عقابية على الواردات الصينية.

وأشارت يينغ إلى أن العولمة مازالت هي الاتجاه السائد في العالم، فالولايات المتحدة بدأتها، واستفادت منها، والآن لا ترغب في ذلك؟ فهل هناك بديل أفضل، أو لديها خيار أفضل؟. وأردفت يينغ التي شغلت منصب نائب وزير الخارجية الصيني حتى عام 2013، أن الصين أكبر دائن وشريك تجاري للولايات المتحدة يمكنها أن تفرض ضرائب على الواردات الأمريكية أيضًا، والتحول إلى دول بديلة، لذا فمن الممكن أن نحول تهديدات ترامب إلى فرص. وهناك أناس في الصين سيكونون سعداء لاستغلال هذه اللحظة إذا ما أعلنت الولايات المتحدة فرض تعريفات عقابية على الواردات الصينية، فهناك عدد ليس بقليل من المناطق والفئات الصينية المعتقدة أن مصالحهم قد تضررت بسبب التجارة، مثل مزارعي فول الصويا، فقد فقدنا تمامًا مزارع فول الصويا بسبب الواردات. لدينا وفرة جيدة من المحاصيل على مدار العقد الماضي، ومع ذلك فنحن مستمرون في استيراد القمح الأمريكي، فلماذا يجب علينا ذلك؟.

تبلغ صادرات الولايات المتحدة للصين 116.2 مليار دولار، بينما تستورد من الصين بمقدار 491.9 مليار دولار. والعجز في ازدياد مستمر بسبب ارتفاع الواردات الصينية بوتيرة أسرع من الصادرات الأمريكية للصين. لذا كان ترامب محقًا فيما يتعلق بتنامي النفوذ الصيني داخل الولايات المتحدة. وتستورد الولايات المتحدة الإلكترونيات والملابس والآلات من الصين. في حين تعتبر الصين أكبر مستورد للفول الصويا من الولايات المتحدة، وفي العام الماضي 2015 استوردت الصين من الولايات المتحدة منتجات زراعية بقيمة 20.3 مليار دولار، وفقًا لوزارة الزراعة الأمريكية.

الصين التي لا نعرفها

هناك شركات صينية ترعاها وتدفعها الحكومة الصينية تشتري الشركات الأجنبية، في قطاعات حددتها الحكومة الصينية، كمفتاح لتنفيذ استراتيجية صنع في الصين 2025.

وكالة الأنباء الأوروبية
لاشك في أن ترمب عازم على المضي قدمًا في طريق تصحيح الوضع المختل للميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين، ولم تكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين أكثر أهمية من هذا الوقت، فالصين تحتاج إلى مستهلكي الولايات المتحدة لشراء صادراتها، وتحتاج إلى الاستثمارات الأمريكية والتكنولوجيا الأمريكية لرفع مستوى صناعتها، ومن ثم فيستطيع ترامب أن يوجه ضربة لنمو العملاق الصيني الذي يعاني بعض الأمراض مثل تصاعد الديون، والطاقة الإنتاجية الفائضة، وركود الصادرات.

ولكن لا يخفى على القادة الصينيين ملامح هذا المشهد. من أجل ذلك، فقد أطلقت الصين استراتيجية لتحديث قطاع الصناعة تسمى “صنع في الصين 2025”. تُجيش الجيوش لتنفيذها وتعتبرها مسألة أمن قومي. تقوم الاستراتيجية على تغيير هيكلي وعميق في الصناعة الصينية، فبدلًا من أن ترسل الشركات التكنولوجية الأمريكية منتجاتها في صورة قطع ويتم تجميعها في الصين، ومن ثم يعاد تصديرها، فالتوجهات مغايرة الآن، والساسة الصينيون يريدون تغيير قواعد اللعبة، ويريدون نقل التكنولوجيا نفسها وخلقها بواسطة شركات صينية وطنية عملاقة تُطلق عليهم “الأبطال الوطنيين”، وتُقدم كافة أوجه الدعم لهم حيث سيطور الأبطال الوطنيون تقنيات ومنتجات جديدة، بدءًا من السيارات الكهربائية إلى أشباه الموصلات، ومرورًا بصناعة السفن ذات التقنية العالية، والأجهزة الطبية والروبوتات وغيرها من الأجهزة المتطورة .

يقول دبلوماسيون وخبراء إن هناك شركات صينية ترعاها وتدفعها الحكومة الصينية تشتري الشركات الأجنبية، في قطاعات حددتها الحكومة الصينية، كمفتاح لتنفيذ استراتيجية صنع في الصين 2025. وتستخدم الصين الموارد المالية الضخمة لشراء الابتكارات الأجنبية الرئيسة والتكنولوجيا في قطاعات مغلقة أمام الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد الصيني، وتمنح العطايا والأموال للشركات الريادية الناشئة.

لذا فالاستثمارت الأمريكية تتراجع ببطء في الصين بشكل متعمد ومخطط له من قبل الحكومة الصينية، وتذمرت الغرفة التجارية الأمريكية في الصين في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من صعوبة وصول المستثمرين الأمريكيين والمنتجات والخدمات إلى السوق المحلية الصينية، وتقول إن الشركات الأمريكية تشعر بأن الترحيب بها أصبح أقل في الصين مما كان عليه في أي وقت منذ عقدين ماضيين، ويلاحظ أيضًا زيادة التفضيلات والدعم الذي تقدمه الصين لصناعاتها وشركات “الأبطال الوطنيين”.

وفي الوقت نفسه تتصاعد وتيرة الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة بشكل متزايد، وعبور الأموال يذهب في اتجاه واحد لأول مرة في عام 2015، من الصين للولايات المتحدة، وفقًا لتقرير جديد صادر عن مجموعة الروديوم وهي شركة استشارات وأبحاث اقتصادية. تحركات مريبة يقوم بها العملاق الصيني في صمت ولأهداف استراتيجية ضخمة.

من يربح الحرب التجارية؟

من أجل ذلك؛ يذكر مايكل شومان في صحيفة بلومبيرج أن سياسات ترامب التي يلوح بها تصب في نهاية المطاف في مصلحة الصين. هذا لأن الصين، التي يريد ترامب معاقبتها لأنها تسرق الوظائف من خلال ممارسات تجارية غير عادلة ويد عاملة رخيصة؛ لم تعد موجودة ببساطة. فالصين اليوم لم تعد مهتمة بخطوط تجميع المنتجات كالجينز الأزرق أو الهواتف المحمولة. ففي الواقع تخسر الصين العديد من الوظائف في المصانع لصالح الدول النامية والولايات المتحدة بسبب ارتفاع التكاليف. الصين الجديدة كما يقول شومان لديها أهداف أكبر وأكثر جرأة، وهو الأمر الذي لا يفهمه دونالد ترامب. فبدلًا من قيامها بدور ورشة تصنيع العالم، تعتزم الصين خلق أبطال وطنيين للتنافس مع الولايات المتحدة والحلول محلها، فالقادة الصينيون يريدون من المستهلكين في الولايات المتحدة أن يشتروا الهواتف الذكية الصينية التي تعمل بأنظمة التشغيل الصينية، بدلًا من شراء المستهلكين الصينيين الهواتف المصنوعة من قبل شركة آبل.

وبالتالي فالرئيس الأمريكي الجديد ترامب يخوض حرب الأمس على صناعات ووظائف الأمس، في حين تساعد المساعي الصينية صناعات ووظائف الغد. فبدلًا من إخضاع الصين، فإنه سوف يساعد على احتدام المنافسة مع الشركات الأمريكية في مجال الأعمال التجارية في المستقبل. يتعامل ترامب مع صورة قديمة للصين ليست موجودة على أرض الواقع إلا في ذهنه. من أجل ذلك فالحرب التجارية ستكون في صالح الصين.

اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ: استبدال الهيمنة

هناك صفقة تجارية ضخمة أخرى يريد الرئيس ترامب إلغاءها وهي اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي TTIP مع الاتحاد الأوروبي

وكالة الأنباء الأوروبية

في الرابع من شهر فبراير (تشرين الثاني) من عامنا الحالي 2016 وقعت 12 دولة على اتفاقية للتجارة الحرة تدعى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP. الدول المشاركة فيها هي الولايات المتحدة، واستراليا، وكندا، والمكسيك، ونيوزيلندا، وبيرو، وبروناي، وسنغافورة، واليابان، وفيتنام، وماليزيا، وتشيلي. تهدف الاتفاقية إلى تعميق العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول، وخفض الرسوم الجمركية، وتعزيز التجارة لدفع النمو الاقتصادي. كما يأمل الأعضاء من ورائها في تعزيز علاقات أوثق في السياسات الاقتصادية والتنظيمية بينهم، على أمل خلق سوق موحدة كالسوق الأوروبية في المستقبل. وإن كان البعض ينظر إليها على أنها محاولة أمريكية لإحداث توازن تجاري مع الصين في آسيا والحد من النفوذ الصيني الاقتصادي في هذه المنطقة، ما بدا في مسارعة باراك أوباما بالتوقيع على الاتفاقية قبل أيام من الانتخابات الأمريكية.

يبدو أن الاتفاقية لها نصيب من رصاصات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. الذي قال إنه سيقوم بإلغائها على الفور بمجرد توليه زمام الحكم في الولايات المتحدة. ونعتها بأنها “مرعبة”، وعبارة عن “اغتصاب” للعمال الأمريكيين. يحب ترامب استخدام هذه اللفظة، لأنها تُلهب مشاعر العمال وتزيد من حنقهم وسخطهم. يرى ترمب ومنتقدو الاتفاقية في الولايات المتحدة أنها تحابي الشركات الكبرى والدول الأخرى على حساب الوظائف والسيادة الوطنية الأمريكية. وفي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل إن الصفقة بها “عيوب خطيرة”، ولن يجري العمل بها هذا العام.

هناك صفقة تجارية ضخمة أخرى يريد الرئيس ترامب إلغاءها وهي اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي TTIP مع الاتحاد الأوروبي، اتفاقية لخفض التعريفات الجمركية، والحواجز التنظيمية، وإن كانت المفاوضات الخاصة بها ما زالت في مراحل مبكرة. ويبذل ترامب قصارى جهده لخلق أعداء تجاريين حول العالم. فيقول هولجر شمايدينج، كبير الاقتصاديين في بنك برينبيرج الألماني، إن فوز ترمب يمكن أن يؤدي إلى إنهاء حالة ضبط النفس التي اتخذها العالم الغربي بخصوص سياسة الحمائية، وبالتالي فالنتيجة ستكون أبطأ نمو اقتصادي محتمل.

يصل عدد سكان الدول المشاركة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ لأكثر من 800 مليون نسمة، ويساهمون جميعًا بـ40% من حجم التجارة العالمية. وحتمًا ستعزز الاتفاقية من حجم التجارة العالمية بشكل أكبر، وهناك العديد من الدول المشاركة تعقد عليها الآمال في تطوير صناعاتها وحمايتها وفتح أسواق جديدة لها ومن ثم خلق المزيد من الوظائف ودفع عجلة النمو الاقتصادي.

تنظر الصين إلى هذه الاتفاقية بحذر، فالجميع يعلم أن الهدف منها عند بعض الدول مثل الولايات المتحدة هو تقليم أظافر التنين الصيني. ومن ثم فإلغاؤها هو بالتأكيد خبر سار سيتراقص بسببه الساسة في بكين، ما يبدو أنها دعوات “ترمبية” ستصب في مصلحة الصين.

وبالتالي سوف يسمح إلغاء الاتفاقية بتنامي النفوذ الاقتصادي والسياسي أيضًا في آسيا، على حساب ترسيخ الوجود الأمريكي في هذه المنطقة الحيوية، التي طالما سعت الولايات المتحدة لتعزيزه على مدار عقود، ومن ثم تخفيف الضغط الذي تفرضه على الصين بوجودها وحضورها الاقتصادي في آسيا، وبمجرد الانسحاب الأمريكي ستعمل الصين بالطبع على شغل المكان على الفور، من خلال طرح بدائل تجارية لباقي الدول المشاركة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

“إذا ما أصبحت الولايات المتحدة أقل انخراطًا في آسيا، فسيكون أمام بكين فرصة لتشكيل تكامل سياسي واقتصادي وإقليمي وفقًا لشروطها” مارك وليامز، كبير الاقتصاديين الآسيويين في شركة أبحاث كابيتال ايكونوميكس، متحدثًا في تقرير صدر في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) ، حول تأهب الصين لملء الفراغ الأمريكي في آسيا.

بالفعل لم يصمت الصينيون كثيرًا بخصوص هذا الأمر، ففي 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وفي أثناء أعمال قمة منتدى التعاون الاقتصادي بين دول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك”، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تشمل دول آسيا والمحيط الهادئ. وانتقد في ذات الوقت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، قائلًا إن “الترتيبات التجارية الإقليمية المغلقة والحصرية يجب تفاديها فهي ليست خيارًا صحيحًا”.

لن تترك الدول الآسيوية فرصة نمو صناعاتها وتوفير وظائف لعمالها لمجرد أن الرئيس الأمريكي لا يريد ذلك، ومن الممكن أن يدفع ما يحدث للدول الآسيوية إلى الاصطفاف خلف العملاق الصيني، واتخاذ إجراءات حمائية مضادة ضد الولايات المتحدة، ومنع الشركات الأمريكية من الوصول لأسواقها، ومن ثم ستصبح الأخيرة أكثر انعزالية. فقادة 21 دولة في قمة مجموعة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” قالوا: “إننا نؤكد من جديد التزامنا بالحفاظ على أسواقنا مفتوحة، ومحاربة كل أشكال الحمائية”. وبالطبع محاربة الحمائية لن تكون إلا بمعاقبة من يسعى لها بإجراءات شبيهة.

ويبدو أن الجهود الصينية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل. فقال تان جيان، وهو عضو بارز في وفد الصين في القمة، إن المزيد من الدول تسعى الآن إلى الانضمام إلى اتحاد 16 دولة تسعى الصين لتكوينه، بما في ذلك بيرو وتشيلي، وإن الأعضاء الحاليين يريدون التوصل إلى اتفاق في أقرب وقت ممكن لمواجهة ارتفاع الحمائية.

الحمائية ضد العولمة

 
استاء الاتحاد الأوروبي أيضًا، كما العالم، من دعوات ترامب، فانتقدته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب نيته الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وقالت: “لا أعرف من هو الرابح في هذه الحالة، لكنني أود أن أمتنع عن تنبؤات هذه المرحلة”.

تميل التوجهات التجارية العالمية الحالية ناحية محاربة الإجراءات الحمائية لضررها البالغ على اقتصادياتها، وتلوذ بالتكتلات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية التي تمنحها سيولة لمرور منتجات صناعاتها ذات الميزات التنافسية فيها. وهو الشيء الذي دعم العولمة الاقتصادية كثيرًا خلال العقود الفائتة. ومن ثم فهناك خطر مُحدق بالعولمة جراء إجراءات كتلك التي يتلهف الرئيس الأمريكي الجديد لتنفيذها.

ولكن معهد بروكينغز بواشنطن يطمئننا قليلًا، ففي ورقة  بحثية نشرها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لبحث الادعاء القائل بأن العولمة على وشك التراجع، وجدت الورقة بناء على تقييم حركة البضائع، والأموال، والأفراد عبر الحدود؛ أن هناك أدلة قليلة على انحسار العولمة بالفعل، وتظهر الورقة أن الاقتصاد العالمي أكثر تكاملًا اليوم مما كان عليه في ذروة وصول العولمة لأقصى درجاتها في بدايات القرن العشرين، وهو ما يفسر رفض التوجهات التي تقول بأن العولمة قد وصلت إلى مستويات لا يمكن تحملها. وتتنبأ الورقة بأن السنوات القادمة ستشهد إما تحقيق استقرار في المستوى الحالي للعولمة أو حدوث المزيد من التكامل لكنه سيكون بدرجات متواضعة مما كان عليه في الماضي.

يبدو أن الصينين لن يراجعوا كتاب “فن الحرب” بمفردهم، لأن الدول المتضررة من إجراءات ترمب الحمائية المنتظرة، ستستعير الكتاب من الصينيين أيضًا. وبالطبع الولايات المتحدة هي الدولة التي ستكون في مرمى الجميع.

You may also like...

0 thoughts on “مستقبل “التجارة العالمية” .. مواجهات في مهب الريح!!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *